مجمع البحوث الاسلامية

104

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فالأولى أن يفسّر إسلام الوجه للّه تعالى بالانقياد إليه سبحانه بالأعمال ، والجملة في موضع الحال من فاعل ( اسلم ) . ( 5 : 154 ) رشيد رضا : أي لا أحد أحسن دينا ممّن جعل قلبه سلما خالصا للّه وحده ، لا يتوجّه إلى غيره في دعاء ولا رجاء ، ولا يجعل بينه وبينه حجابا من الوسطاء والحجّاب ، بل يكون موحّدا صرفا ، لا يرى في الوجود إلّا اللّه وآثار صفاته وسننه في ربط الأسباب بالمسبّبات . فلا يطلب شيئا إلّا من خزائن رحمته ، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلّا من أبوابها وهي السّنن والأسباب ، ولا يدعو معه ولا من دونه أحدا في تيسير هذه الأسباب ، وتسهيل الطّرق وتذليل الصّعاب . وهو مع هذا الإيمان الخالص ، والتّوحيد الكامل ، محسن في عمله ، متقن لكلّ ما يأخذ به ، متخلّق بأخلاق اللّه الّذي أحسن كلّ شيء خلقه ، وأتقن كلّ شيء صنعه . ( 5 : 438 ) مثله المراغيّ . ( 5 : 166 ) سيّد قطب : فأحسن الدّين هو هذا الإسلام - ملّة إبراهيم - وأحسن العمل هو « الإحسان » ، والإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك . وقد كتب الإحسان في كلّ شيء حتّى في إراحة الذّبيحة عند ذبحها ، وحدّ الشّفرة ، حتّى لا تعذّب وهي تذبح . وفي النّصّ تلك التّسوية بين شقّي النّفس الواحدة ، في موقفهما من العمل والجزاء ، كما أنّ فيه شرط الإيمان لقبول العمل ، وهو الإيمان باللّه . ( 2 : 762 ) الطّباطبائيّ : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً . . . كأنّه دفع لدخل مقدّر ، تقديره : أنّه إذا لم يكن لإسلام المسلم أو لإيمان أهل الكتاب تأثير في جلب الخير إليه وحفظ منافعه ، وبالجملة إذا كان الإيمان باللّه وآياته لا يعدل شيئا ويستوي وجوده وعدمه ، فما هو كرامة الإسلام ؟ وما هي مزيّة الإيمان ؟ فأجيب : بأنّ كرامة الدّين أمر لا يشوبه ريب ، ولا يداخله شكّ ، ولا يخفى حسنه على ذي لبّ ، وهو قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ، حيث قرّر بالاستفهام على طريق إرسال المسلّم ، فإنّ الإنسان لا مناص له عن الدّين ، وأحسن الدّين : إسلام الوجه للّه الّذي له ما في السّماوات وما في الأرض ، والخضوع له خضوع العبوديّة ، والعمل بما يقتضيه ملّة إبراهيم حنيفا وهو الملّة الفطريّة ، وقد اتّخذ اللّه سبحانه إبراهيم الّذي هو أوّل من أسلم وجهه للّه محسنا ، واتّبع الملّة الحنيفيّة خليلا . ( 5 : 88 ) عبد الكريم الخطيب : والاستفهام في قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً لا يراد به حقيقته ، وإنّما المراد به هو استبعاد أن يكون أحد أحسن دينا من هذا الّذي أسلم وجهه للّه وهو محسن . والاستفهام هنا أبلغ في تقرير هذا الحكم ، من أن يجيء هكذا في صورة الخبر المباشر ، كأن يقال مثلا لا أحد أحسن دينا ممّن أسلم وجهه للّه وهو محسن . ذلك أنّ الاستفهام يقتضي اختيارا عمليّا لهذا الحكم ، بمعنى أنّه حين يرد هذا الاستفهام على السّامع ، يتلفّت هنا وهناك باحثا عن الجواب على هذا الاستفهام ، طالبا من هو أحسن دينا من دين هذا الّذي أسلم وجهه